الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
472
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بحجية الظن الحاصل للمجتهد بالنسبة إليه وما دل على عدم حجية الظن وعدم جواز الاتكال عليه يفيد عدم جواز الاستناد إليه مطلقا سواء كان المستند إليه هو الظان أو غيره بل ربما كان الثاني أولى بالمنع فلا بد من التزام التخصيص فيما دل على عدم الاعتداد بالظن فيتم التقرير المذكور ومع الغض عنه فالحاصل في تقليد المجتهد جهتان للمنع نظرا إلى الاتكال فيه إلى الظن وإلى الغير ففيه استناد إلى التقليد وإلى الظن بخلاف العمل بالظن نعم لو كان من تقليده عالما بالحكم كان المانع هناك مجرد التقليد فربما يكافئ ذلك رجوعه إلى الظن إلا أنه لا يكون ذلك إلا في نادر من الأحكام وقد يدفع ذلك بأنه لا كلام في حجية ظن المجتهد المطلق إنما الكلام في حجية ظنه بالنسبة إلى المتجزي وهو المراد من تقليده له فليس هناك أمران مخالفان للأصل وبعبارة أخرى أن ظن المجتهد المطلق منزل منزلة العلم قطعا فليس في المقام إلا إثبات جواز التعويل على علم الغير أو ما بمنزلته وفيه أن ما دل على حجية ظن المجتهد إنما أفاد حجيته بالنسبة إلى نفسه ومن يقلده من العوام دون المتجزي ولا دليل على تنزيله منزلة العلم مطلقا فما يدل على عدم جواز الاتكال على الظن يدل على المنع منه وكون ذلك عين التقليد لا ينافي تعدد الحيثية وحصول جهتين قاضيتين بالمنع بخلاف الأخذ بالظن فتأمل ثانيها أنه ليس في ما دل على المنع من التقليد ما يشمل تقليد المجتهد مع كمال ثقته وأمانته ووفور علمه وكونه بحسب الحقيقة حاكيا لقول الإمام بحسب ظنه غاية الأمر أنه لا دليل على جواز اعتماد المتجزي على ذلك فلا يمكن الحكم ببراءة ذمته بمجرد ذلك وحينئذ فالدليل على المنع منه هو الدليل على المنع من الأخذ بالظن مع اختصاص الظن بظواهر أخرى فليس على المنع من التقليد دليل خاص يلزم الخروج عن مقتضاه لو قلنا بوجوب الرجوع إليه بخلاف ما لو قلنا برجوعه إلى الظن ليتم ما ذكر في الاحتجاج ومنه يظهر وجه آخر لضعف ما ذكرنا في الإيراد المتقدم ثالثها أن المتخلص من الأدلة الدالة عليه والملحوظ في المقام أن المتجزي بعد تحصيل الظن بالحكم هل هو داخل في عنوان الجاهل أو العالم فاندراجه فيما دل على المنع من التقليد غير ظاهر بل الظاهر خلافه لدلالة الأدلة الدالة على المنع من العمل بالظن على عدم الاعتداد بظنه فيندرج في الجاهل ويشمله ما دل على وجوب رجوعه إلى العالم حسبما مرت الإشارة إليه الرابع أن الأدلة الدالة على حجية الظنون الخاصة من الروايات الدالة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة والأخذ بالأخبار المأثورة عن الأئمة عليهم السلام بتوسط من يعتمد عليه من النقلة وغيرها تعم المطلق والمتجزي ولا دليل على اختصاصها بالمطلق بل الظاهر منها كون الأخذ بها وظيفة لكل قادر على استنباط الحكم منها ومن هنا نشأ توهم كون الاجتهاد واجبا عينيا ولولا قيام العسر والحرج العظيم واختلال نظام المعاش الباعث على اختلال أمور المعاد مضافا إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على جواز التقليد لكان القول بوجوبه العيني متجها نظرا إلى ما ذكر والحاصل أن مرتبة الاجتهاد متقدمة على مرتبة التقليد ولولا قيام ما قام من الأدلة على جواز التقليد لقلنا بوجوب الاجتهاد على الأعيان وحينئذ نقول إن غاية ما ثبت من الأدلة جاز التقليد بالنسبة إلى غير المتمكن من الاستدلال وأما القادر عليه على نحو المجتهد المطلق ولا دليل على جواز التقليد بالنسبة إليه وحينئذ فيتعين عليه الرجوع إلى الكتاب والسنة وسائر الأدلة المقررة ويرد عليه أن أقصى ما يفيده تلك الأدلة هو الظن بشمول الحكم للمتجزي ومن المقرر أن الظن من حيث هو لا حجية فيه فالعبرة في المقام بالدليل القاطع القائم على حجية الظن وليس إلا الإجماع أو الضرورة وهما لا يفيدان ما يزيد على حجية ظن المطلق إذ لا إجماع ولا ضرورة بالنسبة إلى غيره ولو قلنا بأصالة حجية الظن مطلقا وقيام مقامه بنفسه حجة على المطلوب من غير حاجة إلى ملاحظة تلك الأدلة نعم لو قلنا بقيام الظن مقام تفريغ الذمة مقام العلم به حسبما مر بيانه صح إلا أن جريان تلك القاعدة هنا على فرض ثبوتها غير ظاهر لابتنائها على مقدمات لا يمكن إثبات غير واحد منها في المقام كما ظهر الحال فيه مما قدمناه الخامس أن جواز التقليد في الأحكام مشروط بعدم كون المكلف مجتهدا فيها ضرورة عدم جواز تقليد المجتهد لغيره وحينئذ فإن قام دليل على عدم جواز رجوعه إلى ظنه وعدم تحقق الاجتهاد في شأنه فلا كلام وأما عدم قيامه كما هو الواقع فلا وجه لرجوعه إلى التقليد إذ لو كان الأمران مترتبان يكون التكليف بأحدهما متوقفا على انتفاء الآخر لم يصح الأخذ بالثاني مع عدم قيام الدليل على انتفاء الأول وهذا الوجه بظاهره في غاية الوهن إذ من البين أن الوجه المذكور على فرض صحته إنما يفيد عدم جواز الحكم بالرجوع إلى التقليد قبل قيام الدليل عليه أما صحة الرجوع إلى الاجتهاد كما هو المدعى كيف ولو أريد إثبات جواز رجوعه إلى ظنه قبل إثبات اجتهاده نظرا إلى قضاء توقف صحة تقليده على انتفاء اجتهاده وترتب الأمرين وتقدم الرجوع إلى الاجتهاد على الأخذ بالتقليد ليكون قضية هو الرجوع إلى الاجتهاد حتى يتبين الحرج عنه لكان ذلك مغلوبا عليه فإن صحة اجتهاده في المسألة وجواز رجوعه إلى ظنه مشروط بأن لا يكون وظيفته التقليد ضرورة أنه ليس الرجوع إلى الأدلة من وظيفة المقلد إلى آخر ما ذكر فمجرد اشتراط جواز تقليده مع انتفاء اجتهاده لا يفيد تقدم الآخر بحسب التكليف على الوجه المذكور كيف ومن البين أن وجود كل من الضدين يتوقف على انتفاء الآخر ومع ذلك فلا ترتب بينهما كذلك وإلا لزم حصوله من الجانبين وهو غير معقول السادس جريان الطريقة في أعصار الأئمة عليهم السلام وما قاربها بالرجوع إلى الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام ومعلوم بعد ملاحظة كتب الرجال عدم اطلاع الجميع على جميع روايات الباب فضلا عن غيرها بل ربما كان عند واحد منهم أصل أو أصلان أو أصول عديدة متعلقة ببعض مباحث الفقه كالطهارة والصلاة والصوم ونحوها مع أنهم كانوا باقيين على الأخذ بها والعمل بمقتضاها من غير استنكار منهم لذلك فكان إجماعا منهم كاشفا عن تقرير أئمتهم عليهم السلام لقيام العلم العادي على اطلاعهم على ذلك ويرد عليه أولا بالنقض لقضاء ذلك بجواز الأخذ بما عثر عليه من الروايات من غير أن يجب البحث عما يعارضها أو يؤيدها وملاحظة الترجيح بينها ولا قائل به وثانيا بالحل وذلك لظهور الفرق بين أعصار الأئمة عليهم السلام وما قاربها وهذه الأعصار وما ضاهاها لكون الإمام عليه السلام بالنسبة إلى كثير من أهل تلك الأعصار كالمجتهد بالنسبة إلى عوامنا فكما أنه يأخذ العامي بقول المجتهد عند سماعه منه أو نقله إليه بتوسط الثقات من غير حاجة إلى تحصيله لملكة الاجتهاد وكذا الحال بالنسبة إلى كثير من الموجودين في تلك الأعصار في جملة من الأحكام وليس ذلك من التجزي في الاجتهاد في شيء كيف ولا خلاف في جواز العمل بما يأخذه المكلف عن الإمام عليه السلام بالمشافهة وإن كان حكما واحدا وأحكاما عديدة فلو كان ذلك من التجزي